مجلة الكاتب • 26 سبتمبر 2026

لماذا نكتب؟ الدافع الذي يحسم قرارات كتابك

لماذا نكتب؟ الدافع الذي يحسم قرارات كتابك

أنت في الفصل السابع. أمامك مشهدٌ جيّد لا تعرف أتُبقيه أم تحذفه، وفصلٌ كامل يعجبك ولا يشبه بقيّة الكتاب، وسؤالٌ يعود كلّ أسبوع: متى أعرف أنّ هذا الكتاب انتهى؟ تسأل عن القواعد فلا تجد فيها جوابًا.

لن تجده في القواعد لأنّه ليس سؤال حرفة. الثلاثة أسئلةٍ مسألةٌ واحدة: لماذا نكتب هذا الكتاب أصلًا. الدافع ليس مقدّمةً عاطفيّة توضع في الإهداء، بل هو المسطرة التي تقيس بها كلّ قرارٍ لاحق.

سؤالٌ فلسفيّ بنتائج هندسيّة

الكاتب الذي لا يعرف دافعه يتّخذ كلّ قرارٍ بذوقه في لحظته، فيخرج كتابٌ نصفه يشرح ونصفه يقنع ونصفه الثالث يتذكّر. أمّا من يعرف دافعه فيملك معيارًا ثابتًا: كلّ ما يخدمه يبقى، وما لا يخدمه يخرج ولو كان جميلًا.

الدافع يجيب عن ثلاثة أسئلةٍ عمليّة: لمن تكتب؟ وما الذي تحذفه حين يطول الكتاب؟ وما العلامة التي تقول إنّه اكتمل؟

هذه ليست مسألةً يُفكَّر فيها مرّةً في البداية ثمّ تُنسى. أعد طرحها عند كلّ فصلٍ عالق، فأغلب التعثّر في منتصف الكتب سببه أنّ الكاتب انتقل بلا انتباه من دافعٍ إلى آخر.

جورج أورويل، «لماذا أكتب» ١٩٤٦

الدوافع الأربعة

حصر أورويل ما يدفع الإنسان إلى الكتابة في أربعة، وقال إنّها تتفاوت في الكاتب الواحد بحسب المرحلة والبيئة. اقرأها بحثًا عن دافعك الغالب، فلكلٍّ منها بنيةٌ مختلفة.

١

الأنانيّة الخالصة

الرغبة في أن تبدو ذكيًّا، وأن يُتحدَّث عنك، وأن يبقى اسمك بعدك. سمّاها أورويل باسمها دون تجميل، وعدّها دافعًا مشتركًا بين الكتّاب والعلماء والسياسيّين.

أثرها في الكتاب: تدفعك إلى الطموح والإتقان، وتغريك بالاستعراض. راقبها عند الجملة التي تعجبك أكثر ممّا تفيد القارئ.

٢

الحماس الجمالي

اللذّة في وقع الكلمات وترتيبها، والرغبة في مشاركة تجربةٍ تراها جميلة. هذا دافع الشاعر، ودافع الروائيّ الذي يعيد كتابة الفقرة عشر مرّات لأجل إيقاعها.

أثرها في الكتاب: ترفع مستوى النثر، وتطيل الوصف أحيانًا بلا ضرورة. المعيار: هل يخدم الجمال المعنى أم يزاحمه؟

٣

الدافع التاريخي

الرغبة في رؤية الأشياء كما هي، وتسجيل الوقائع لمن يأتي بعد. من هنا تأتي المذكّرات والشهادات والروايات التي توثّق تحوّلًا اجتماعيًّا، كما في «مدن الملح» لعبد الرحمن منيف.

أثرها في الكتاب: تفرض دقّةً في التفاصيل وأمانةً في النقل، وتحتاج انضباطًا كي لا يتحوّل الكتاب إلى أرشيف.

٤

الهدف السياسي

الرغبة في دفع العالم في اتّجاه. وأورويل يقصد بالسياسة معناها الواسع: أيّ محاولةٍ لتغيير تصوّر الناس عن المجتمع الذي يريدونه. وهذا دافع غسّان كنفاني في «رجال في الشمس».

أثرها في الكتاب: تمنحه طاقةً واتّجاهًا، وتهدّده بالخطابة. علاجها أن تُظهِر الحجّة في مشهدٍ بدل أن تعلنها في فقرة.

الدوافع الأربعة تجتمع في الكتاب الواحد، لكنّ واحدًا منها يقود. اعرف أيّها يقود كتابك، تعرف ماذا تحذف حين تتعارض الرغبات.

دفترٌ مفتوح وقلم — الدافع وراء الكتاب هو ما يحسم قراراته
السؤال الذي يعود في كلّ فصلٍ عالق: لماذا أكتب هذا الكتاب تحديدًا؟

أربع إجاباتٍ عن السؤال نفسه

كلّ واحدةٍ من هذه الجمل تحدّد غايةً مختلفة للكتاب، وتنتج كتابًا مختلف الشكل. اقرأها كخياراتٍ لا كحكم.

«ينبغي أن يكون الكتاب فأسًا تكسر البحر المتجمّد في داخلنا.»

فرانتس كافكا، في رسالةٍ إلى صديقه أوسكار بولاك سنة ١٩٠٤

الغاية هنا ليست إرضاء القارئ بل إزعاجه إزعاجًا نافعًا. والكتاب الذي يُكتب بهذا الدافع لا يقيس نجاحه بالرضا، بل بأن يضع القارئ أمام ما كان يتجنّب النظر إليه. وثمنه أنّه سيخسر قرّاءً، وهذا مقصود.

«الكتاب دليلٌ على أنّ البشر قادرون على صنع السحر.»

كارل ساغان، في حديثه عن الكتب في «الكون»

مقصده أنّ الكتاب يحمل صوت إنسانٍ عبر القرون إلى قارئٍ لم يولد بعد. من يكتب بهذا الدافع يفكّر في قارئٍ بعد عشرين سنة، فيميل إلى التوثيق والشرح الكافي بدل الإشارات التي يفهمها أهل اللحظة وحدهم.

«تكتب لتغيّر العالم.»

جيمس بالدوين

الكتابة هنا عدسة: تُري القارئ ما يراه كلّ يوم من زاويةٍ لم يقف فيها قطّ. ولذلك يعتمد هذا الكتاب على المشهد المحدّد أكثر من الحجّة العامّة، لأنّ الزاوية تُرى ولا تُشرَح.

«أكتب لأكتشف ما أفكّر فيه.»

جوان ديديون، من مقالتها «لماذا أكتب» ١٩٧٦

هذه أكثر الإجابات فائدةً عمليًّا: أنت لا تكتب لتسجّل ما تعرفه، بل تكتب لتعرف. ومن يقبلها يتوقّف عن انتظار الوضوح قبل المسوّدة الأولى، لأنّ الوضوح نتيجة الكتابة لا شرطها.

جرّب هذا الاختبار: اكتب صفحةً واحدة عن فكرةٍ تظنّ أنّك تعرفها تمامًا. ستجد في نهاية الصفحة سؤالًا لم يخطر لك، وهذا هو المقصود بالكتابة للاكتشاف.

من الدافع إلى الهيكل

الكتاب ليس مجموعة فصولٍ متجاورة، بل نظامٌ تتفاعل أجزاؤه. وحين تغيّر فصلًا في الوسط يتغيّر معنى الفصل الأخير، تمامًا كما يتغيّر البيت كلّه بنقل جدارٍ حامل. هذه هي النظرة التي تفصل بين من يكتب نصوصًا ومن يبني كتابًا.

ولهذا يُترجَم الدافع إلى قراراتٍ بنيويّة محدّدة. الجدول التالي يختصر الترجمة:

الدافع الغالب ما الذي يقود البنية علامة الاكتمال
صدمة الوعي مشهدٌ أو مثالٌ يكسر مسلّمة لم يعد القارئ يرى المسألة كما رآها
التوثيق للأجيال التسلسل الزمنيّ والمصادر لم تبقَ فجوةٌ في الرواية التي تسجّلها
تغيير موقف حجّةٌ متدرّجة تعترف بالاعتراضات لم يبقَ اعتراضٌ جدّي بلا جواب
اكتشاف الذات سؤالٌ شخصيّ يتعمّق فصلًا بعد فصل وصلت إلى جوابٍ لم تكن تعرفه في البداية

علامة الاكتمال في العمود الأخير هي أنفع ما في الجدول. أكثر الكتب التي لا تنتهي ليست ناقصةً فعلًا، بل صاحبها لا يملك معيارًا يقول له إنّها انتهت. وإن كان دافعك هو اكتشاف الذات فابدأ من كيف تكتب مذكّراتك؛ وإن كان تغيير موقفٍ فمن تأليف الكتاب غير الروائي.

قارئٌ يمسك كتابًا — الكتاب نظامٌ متكامل لا فصولٌ متجاورة
القارئ لا يرى فصولك، بل يرى الأثر الذي تتركه مجتمعةً فيه.

ثلاثة أسئلة تكشف دافعك

أجب عنها كتابةً، لا في رأسك. الإجابة في الرأس تبدو واضحةً دائمًا، وعلى الورق تنكشف.

ما الجملة التي تريد أن يقولها القارئ بعد آخر صفحة؟

إن كانت «يا له من كاتبٍ بارع» فدافعك أقرب إلى الأنانيّة أو الجمال. وإن كانت «لم أكن أرى الأمر هكذا» فدافعك تغيير موقف.

ما الذي يغضبك في ما كُتب عن موضوعك؟

الغضب من التسطيح أو من الكذب أو من الإهمال يدلّ على دافعك أسرع من أيّ تأمّل. الكتب الجيّدة كثيرًا ما تبدأ من اعتراض.

لو لم يقرأه أحد، أتكتبه؟

إن كان الجواب نعم فأنت تكتب لتكتشف، ويحسن أن تسمح للكتاب بأن يغيّر شكله أثناء الكتابة. وإن كان لا فأنت تكتب لقارئٍ محدّد، فسمِّه الآن واكتب له وحده.

ولا يلزم أن تكون الإجابة نبيلة. الدافع الصادق — ولو كان الرغبة في أن يُعترف بك — أنفع من دافعٍ مستعار يجعلك تكتب كتابًا لا تريده. والانضباط الذي ينهي الكتاب يأتي من دافعٍ حقيقيّ ثمّ من عادةٍ يوميّة تحميه.

من الفكرة إلى الهيكل

اكتب دافعك في أوّل صفحة، ثمّ ابنِ عليه

في Writer Atlas تبدأ كتابك باختيار نوعه — رواية، كتاب معرفي، بحث، مذكّرات وغيرها — فيبدأ المشروع بهيكلٍ يناسب غايتك بدل صفحةٍ بيضاء واحدة.

صفحة غاية ثابتة

اجعل أوّل صفحةٍ في الشجرة لدافعك وعلامة اكتمالك، وارجع إليها عند كلّ قرار حذف.

إعادة ترتيب الفصول

حرّك الفصول بالسحب حين تتغيّر الحجّة، فالبنية قرارٌ يُراجَع لا يُصبّ مرّة.

مساعدٌ يقرأ كتابك

اسأله أين يبتعد فصلٌ عن غايتك المعلنة؛ القرار يبقى لك، والبنية بيدك وحدك.

أسئلة متكرّرة

لماذا نكتب أصلًا؟ +

حصر جورج أورويل الدوافع في أربعة: الرغبة في التميّز، ولذّة الجمال، وتسجيل الحقيقة للأجيال، ودفع العالم في اتّجاه. وتجتمع الأربعة في الكاتب الواحد بنسبٍ متفاوتة، لكنّ واحدًا منها يقود كلّ كتابٍ ويحدّد بنيته. أمّا الفائدة العمليّة من السؤال فهي أنّ معرفة دافعك تعطيك معيارًا لحذف ما لا يخدمه.

هل يجب أن أعرف دافعي قبل أن أبدأ؟ +

لا، ويكفي أن تعرفه قبل المسوّدة الثانية. كثيرٌ من الكتّاب يكتشفون غاية الكتاب أثناء كتابته، كما وصفت جوان ديديون. لكنّ الخطر أن تصل إلى الفصل الأخير وأنت ما تزال تجهل لماذا تكتب، فعندها تكون قد كتبت أربعة كتبٍ صغيرة لا كتابًا واحدًا. حدّد غايتك قبل أن تعيد الكتابة.

ما الفرق بين فكرة الكتاب وغايته؟ +

الفكرة موضوعك، والغاية أثرك. «كتابٌ عن الهجرة» فكرة، و«أن يرى القارئ المهاجر إنسانًا لا رقمًا» غاية. والفكرة وحدها لا تحسم أيّ قرار، بينما الغاية تحسم كلّ قرار: أيّ مشهدٍ يبقى، وأيّ فصلٍ يُدمَج، وأين ينتهي الكتاب. اكتب الاثنتين في سطرين فوق مخطّطك.

هل الكتابة لاكتشاف الذات تصلح لكتابٍ يُنشر؟ +

تصلح إن فصلت بين طورين. في المسوّدة الأولى اكتب لتكتشف، فاكتب بحرّيّةٍ ودون التزامٍ بخطّة. وفي إعادة الكتابة انتقل إلى القارئ: احذف الطريق الذي مشيته لتصل، وأبقِ ما يحتاجه هو ليصل. أكثر المذكّرات التي تُهجَر في منتصفها نُشرت وهي في طورها الأوّل.

كيف أعرف أنّ كتابي انتهى؟ +

حين تتحقّق العلامة التي اشتققتها من غايتك، لا حين تنفد أفكارك. إن كانت غايتك تغيير موقفٍ فالعلامة ألّا يبقى اعتراضٌ جدّي بلا جواب. وإن كانت التوثيق فالعلامة ألّا تبقى فجوةٌ في الرواية. حدّد هذه العلامة في أوّل الطريق، وإلّا ستظلّ تنقّح إلى ما لا نهاية.

اكتب سطرين قبل الفصل التالي

سطرٌ لغايتك، وسطرٌ للعلامة التي تقول إنّ الكتاب اكتمل. القرارات الباقية ستصير أسهل ممّا تتوقّع.

ابدأ الكتابة مجّانًا

الوسوم

writing-philosophy motivation book-idea craft