مجلة الكاتب • 22 أغسطس 2026

كتابة المقال العربيّ: فكرةٌ واحدة يُدافَع عنها

كتابة المقال العربيّ: فكرةٌ واحدة يُدافَع عنها

نُشر مقالك. قرأه ثلاثمئة شخص، وأثنى عليه اثنان بعبارة «جميل جدًّا»، ولم يعترض أحد. بعد أسبوعٍ سألتَ صديقًا قرأه عمّا فهمه منه، فذكر أربعة موضوعاتٍ ولم يذكر رأيًا واحدًا.

هذا ليس نجاحًا هادئًا، بل علامة العيب الأشيع في المقال العربيّ: مقالٌ عن موضوع، لا مقالٌ يدافع عن فكرة. والفرق بينهما ليس في اللغة ولا في الطول، بل في وجود جملةٍ واحدةٍ يستطيع قارئٌ عاقلٌ أن يقول عنها: «لا أوافق».

اكتب الجملة التي يمكن الاعتراض عليها

قبل أن تكتب سطرًا، ضع في أعلى الصفحة جملةً واحدةً هي رأيك. اختبارها بسيط: إن لم يكن ممكنًا أن يخالفك فيها عاقل، فهي ليست أطروحةً بل عنوان.

موضوع

«القراءة في العالم العربيّ»

لا أحد يخالف، لأنّه لم يُقَل شيءٌ بعد.

أطروحة

«أزمة القراءة عندنا أزمة سعرٍ وتوزيعٍ قبل أن تكون أزمة ذوق»

هنا يوجد خصم، وهنا يبدأ المقال.

هذه الجملة تفعل أكثر من تحديد الموضوع: هي التي تقول لك أيّ مثالٍ يدخل وأيّ مثالٍ يُحذف مهما كان جميلًا، وأيّ اعتراضٍ ملزَمٌ بمواجهته، ومتى انتهى المقال. المقالات التي تتمدّد بلا نهايةٍ هي دائمًا مقالاتٌ بلا أطروحة.

بناءٌ في خمس حركات

«مقدّمة وعرضٌ وخاتمة» تقسيمٌ مدرسيٌّ لا يقول شيئًا عن العمل داخل كلّ قسم. هذه خمس حركاتٍ تصف ما يجري فعلًا:

الحركة الأولى

ادخل من حالةٍ ملموسة

مشهدٌ، أو رقمٌ صادم، أو جملةٌ سمعتَها. ولا تبدأ بتعريفٍ عامّ من نوع «منذ فجر التاريخ والإنسان…» — هذه الافتتاحيّة تُعلن للقارئ أنّ ما بعدها معروف.

الحركة الثانية

قل أطروحتك مبكّرًا

في الفقرة الثانية أو الثالثة، لا في الخاتمة. تأجيل الرأي إلى النهاية عادةٌ شائعةٌ تجعل القارئ يقرأ نصف المقال وهو لا يعرف إلى أين يُساق.

الحركة الثالثة

ثلاث حجج، الأقوى أخيرًا

لكلّ حجّةٍ دليلٌ من خارج رأسك: رقم، أو واقعة، أو شهادة، أو مثالٌ محدّد. الحجّة بلا دليلٍ تكرارٌ للأطروحة بصياغةٍ أخرى، والقارئ يشعر بذلك ولو لم يسمّه.

الحركة الرابعة

واجه أقوى اعتراضٍ عليك

أقوى ما يمكن أن يقوله خصمك، لا أضعفه. اذكره بأمانةٍ ثمّ أجب. هذه الفقرة هي ما يفصل المقال الجادّ عن المنشور الانفعاليّ، وهي أكثر ما يُحذف خوفًا.

الحركة الخامسة

أنهِ ولا تلخّص

الخاتمة التي تعيد سرد ما قرأه القارئ توًّا إهانةٌ مهذّبة. أنهِ بما يترتّب على أطروحتك: ماذا يتغيّر إن كانت صحيحة، أو عد إلى مشهد الافتتاحيّة وقد صار يعني شيئًا آخر.

دفترٌ مفتوحٌ وقلمٌ على طاولة
المقال الذي لا يمكن مخالفته لا يمكن تذكّره أيضًا.

خمس عاداتٍ تُضعف المقال العربيّ

كلّها موروثةٌ من درس الإنشاء المدرسيّ، وكلّها تبدو فصاحةً وهي في الحقيقة ضجيجٌ يغطّي على الفكرة.

الجملة التي لا تنتهي. ثلاثة أسطرٍ بعطفٍ متتابعٍ تُنسي القارئ أوّلها. اقطعها ثلاثًا، ولن تخسر شيئًا إلّا الإرهاق.

المترادفان في موضع كلمة. «الصعوبات والمشكلات»، «الرؤية والتصوّر». اختر واحدة؛ الثانية لا تضيف معنًى بل وزنًا.

التوكيد بدل الدليل. «ممّا لا شكّ فيه» و«لا يخفى على القارئ الكريم» تُقال عادةً في المواضع التي ينقصها سند.

الاستشهاد للزينة. بيت شعرٍ أو حكمةٌ لا يخدمان الحجّة يوقفان القراءة. استشهد حين يكون الاستشهاد دليلًا لا زخرفًا.

المجهول الذي يخفي الفاعل. «تقرّر إلغاء البرنامج» — مَن قرّر؟ في مقال الرأي تحديدًا، معرفة الفاعل نصف الفكرة.

والقاعدة الجامعة لهذه الخمس: الوضوح هو الفصاحة في النثر الحديث، لا ضدّها. تفصيل ذلك في قواعد الكتابة الاحترافيّة.

الطول يحدّده مكان النشر، والعنوان يحدّد مَن يقرأ

اعرف المساحة قبل أن تكتب، لأنّ مقالًا مكتوبًا بطولٍ خاطئٍ لا يُقصّ بل يُعاد بناؤه.

٦٠٠–٩٠٠

كلمة: عمود رأيٍ في صحيفة، فكرةٌ واحدةٌ وحجّتان

١٥٠٠–٣٠٠٠

مقالٌ مطوَّل في مجلّةٍ أو موقع، يحتمل الحجج الثلاث والاعتراض

٥٠٠٠+

دراسةٌ أو ملفّ، ويحتاج عناوين فرعيّةً تقود القارئ

أمّا العنوان فوظيفته أن يعد بشيءٍ محدّدٍ يستطيع المقال الوفاء به. «أزمة التعليم» لا يعد بشيء؛ «لماذا لا يُنقذ المعلّم الجيّد فصلًا من أربعين طالبًا؟» يعد بسؤالٍ وجواب.

وإن وجدتَ أنّ فكرتك لا تُستوفى في ثلاثة آلاف كلمة، فأنت أمام كتابٍ لا مقال، وتلك عمليّةٌ أخرى تبدأ من مقترحٍ وبنيةٍ قبل الكتابة — تفصيلها في كيف تكتب كتابًا غير روائيّ.

وأوّل خطوةٍ في التحرير: احذف الفقرة الأولى واقرأ ما بقي. في أغلب المقالات تكون الفقرة الأولى تسخينًا كتبه الكاتب ليدخل الموضوع، والمقال يبدأ فعليًّا من الفقرة الثانية.

مقالاتك في مكانٍ واحد

الكاتب الذي ينشر بانتظامٍ يحتاج أرشيفًا لا ملفّاتٍ متناثرة. في «أطلس الكاتب» يصير لكلّ مقالٍ صفحةٌ داخل مشروعٍ واحد، وتبحث في المقالات كلّها عن فكرةٍ سبق أن عالجتها، ويحفظ تاريخ النسخ صياغاتك المتعاقبة، وتُصدِّر إلى DOCX أو PDF حين يطلب المحرّر الملفّ.

ابدأ الكتابة مجّانًا

أسئلة متكرّرة عن كتابة المقال

ما الفرق بين المقال والخاطرة؟

الخاطرة تعبّر عن شعورٍ ولا تطالَب بدليل، والمقال يقدّم دعوى ويُسأل عن سندها. كلاهما مشروع، والمشكلة تقع حين يُكتب نصٌّ بلغة الخاطرة ويُقدَّم على أنّه رأيٌ في قضيّةٍ عامّة، فيبدو للقارئ كلامًا جميلًا لا يمكن مناقشته.

هل أكتب بضمير المتكلّم؟

نعم في مقال الرأي، وهو أصدق من «يرى الكاتب» و«نحن نعتقد». استعمل «أنا» حين تقول رأيك أو تحكي تجربتك، وتجنّبه حين تعرض واقعةً أو رقمًا، فالحقيقة لا تحتاج إلى ضمير. أمّا المجلّات العلميّة فلها أعرافها الخاصّة.

كيف أوثّق المعلومات في مقالٍ صحفيّ؟

بذكر المصدر داخل الجملة نفسها: «في تقرير صدر هذا العام عن…»، أو برابطٍ إن كان النشر إلكترونيًّا. لا تستعمل الحواشي الأكاديميّة في مقال الرأي، ولا تكتب رقمًا بلا نسبته إلى جهة. القارئ الذي يستطيع التحقّق يثق، والذي لا يستطيع يشكّ.

كيف أكتب مقالًا لموقعٍ إلكترونيّ دون أن أفسده؟

اكتب المقال الجيّد أوّلًا ثمّ هيّئه للشاشة: عناوين فرعيّةٌ كلّ ثلاث فقرات، وفقراتٌ أقصر ممّا تكتبه للورق، وعنوانٌ يصف المحتوى بصدق. أمّا حشو الكلمات المفتاحيّة وتكرارها فيضرّ القارئ ولم يعد ينفع في محرّكات البحث الحديثة.

كم وقتًا يستغرق مقالٌ من ألف كلمة؟

الكتابة نفسها ساعةٌ أو ساعتان لمن يعرف أطروحته. ما يستهلك الوقت هو ما قبلها وما بعدها: تحديد الفكرة، وجمع دليلين أو ثلاثة، ثمّ جولة تحريرٍ بعد يومٍ من الكتابة لا في اليوم نفسه. اليوم الفاصل يكشف ما لا تراه العين المتعبة.

كيف أبدأ النشر إن لم يسبق لي ذلك؟

ابدأ من المنصّات التي تقبل مساهماتٍ مفتوحة، أو من مدوّنةٍ باسمك تنشر فيها بانتظام، فالانتظام أهمّ من مكان النشر في البداية. عشرة مقالاتٍ منشورةٌ في مكانٍ متواضعٍ تفتح أبوابًا لا يفتحها مقالٌ واحدٌ ممتاز، لأنّها تُثبت أنّك تكتب باستمرارٍ لا بالمصادفة.

الوسوم

article-writing arabic-writing nonfiction