مجلة الكاتب • 8 أغسطس 2026

كتابة كتابٍ للأطفال بالعربيّة: المستوى اللغويّ قبل الحكاية

كتابة كتابٍ للأطفال بالعربيّة: المستوى اللغويّ قبل الحكاية

قرأتَ قصّتك على ابن أختك، وهو في السادسة. عند السطر الثالث سألك عن معنى كلمة، وعند السطر السابع نظر إلى الباب، وقبل منتصف الصفحة الثانية كان قد نهض. القصّة نفسها أعجبت كلّ الكبار الذين قرؤوها.

هذا هو الاختبار الوحيد الذي يهمّ، وهو يكشف الخطأ الأكثر شيوعًا في كتب الأطفال العربيّة: أن يُكتب الكتاب للفكرة التي أعجبت الكاتب، لا للمستوى اللغويّ الذي يستطيع طفلٌ في هذا العمر أن يعبره وحده. الحكاية تأتي ثانيةً، واللغة أوّلًا.

حدّد العمر أوّلًا، فهو يحسم كلّ شيءٍ بعده

«كتاب أطفال» ليست فئةً واحدة. الفرق بين قارئ الخامسة وقارئ العاشرة أكبر من الفرق بين قارئٍ في العشرين وآخر في الستّين. الأرقام التالية أعرافٌ سائدةٌ في النشر لا قواعد، لكنّ الخروج عنها كثيرًا يجعل الكتاب صعب التصنيف على الناشر والمكتبة والأمّ معًا.

العمر الحجم المعتاد اللغة مَن يقرأ
٣–٥ كتابٌ مصوَّر، بضع مئاتٍ من الكلمات جملٌ قصيرةٌ جدًّا، تكرارٌ مقصود، تشكيلٌ كامل الكبير بصوتٍ مرتفع
٦–٨ قصّةٌ مصوَّرةٌ أو فصولٌ أولى، ألفٌ إلى ثلاثة آلاف معجمٌ يوميّ، جملةٌ واحدةٌ لكلّ فكرة، تشكيلٌ كامل أو شبه كامل الطفل بمساعدة
٩–١٢ روايةٌ قصيرة، خمسة آلافٍ إلى عشرين ألفًا فصحى مبسّطة، حوارٌ أكثر، تشكيلٌ للملتبس فقط الطفل وحده
١٣ فأكثر روايةٌ لليافعين، أربعون ألفًا وما حولها فصحى كاملةٌ قريبةٌ من المنطوق، بلا تشكيل اليافع بنفسه ولنفسه

اكتب العمر المستهدف في أعلى الملفّ قبل أوّل جملة، وارجع إليه كلّما ترددتَ في كلمة. أغلب المخطوطات المرفوضة في هذا المجال ليست سيّئةً، بل واقعةٌ بين فئتين: طويلةٌ على الصغار، وطفوليّةٌ على الكبار.

لماذا الفصحى المبسّطة، لا العامّية؟

في أدب الكبار مسألة الفصحى والعامّية اختيارٌ فنّيّ. في كتب الأطفال العربيّة هي قرارٌ عمليٌّ حسمه السوق والوظيفة معًا: الكتاب أحد أهمّ المصادر التي يتعلّم منها الطفل العربيّ الفصحى، والعامّية تحصر الكتاب في بلدٍ واحدٍ وتحرمه من المدرسة والمكتبة العامّة.

لكنّ «الفصحى» هنا لا تعني لغة الصحف ولا لغة الكتب القديمة، بل مستوًى ثالثًا له قواعده:

الكلمة التي يسمعها الطفل في بيته ولها مقابلٌ فصيحٌ مألوف. «ركض» لا «هرول»، و«نظر» لا «أمعن النظر»، و«خاف» لا «اعتراه الوجل».

فكرةٌ واحدةٌ في الجملة. الجملة المعطوفة التي تحمل ثلاثة أحداثٍ تُفقد الطفل الخيط، وهو لا يعود إلى أوّلها كما نفعل نحن.

التكرار صديقٌ لا عيب. جملةٌ تتكرّر في كلّ صفحةٍ بتغييرٍ صغير تصنع متعةً وتوقّعًا، وهي من أقوى أدوات الكتاب المصوَّر.

كلمةٌ جديدةٌ واحدةٌ أو اثنتان في الكتاب كلّه، يشرحهما السياق أو الصورة. الطفل يحبّ أن يتعلّم كلمةً، ويغلق الكتاب إن واجه خمسًا.

أمّا الحوار فقد تتسلّل إليه العامّية بحجّة الواقعيّة. في كتاب الطفل لا تفعل ذلك؛ اجعله فصيحًا قصيرًا يشبه الكلام المنطوق. طرق جعل الفصحى تبدو منطوقةً مشروحةٌ في مقال حوار روايتك: فصحى أم عامّية، وهي نفسها هنا مع معجمٍ أضيق.

كومةٌ من الكتب مرصوصةٌ بعضها فوق بعض
كتاب الطفل يُقرأ بصوتٍ مرتفع عشرات المرّات، فكلّ جملةٍ ثقيلةٍ تُدفَع فاتورتها كلّ ليلة.

الحكاية: الطفل يحلّ مشكلته بنفسه

بنية قصّة الأطفال بسيطةٌ ومحكمة: طفلٌ يريد شيئًا، ويقف في طريقه عائق، فيحاول ويفشل، ثمّ يجد طريقةً من عنده. هذه الجملة الأخيرة هي موضع الخلل في أغلب المخطوطات العربيّة.

النهاية التي تُضعف الكتاب

يتدخّل الأب أو المعلّم فيحلّ المشكلة ويشرح الدرس في فقرةٍ أخيرة. الطفل يتعلّم أنّ الحلّ عند الكبار، ويغلق الكتاب وقد سمع موعظةً لا حكاية.

النهاية التي تبقى

يجد البطل الصغير فكرةً من عنده، ولو ناقصة. الدرس يظهر من الحدث نفسه، ولا يُكتب في سطر. القارئ الصغير يخرج وقد فعل شيئًا، لا وقد أُلقي عليه شيء.

وللتشويق في هذه السنّ شكلٌ خاصّ: ليس الغموض ولا الخطر، بل السؤال البسيط «ماذا سيحدث في الصفحة التالية؟». اقطع الصفحة عند لحظة توقّع، لا عند نهاية فكرة. هذا وحده يصنع الفرق بين كتابٍ يُقلَب إلى آخره وكتابٍ يُترك في المنتصف.

أمّا الموضوعات الصعبة — الفقد، والمرض، والخوف، والانتقال إلى مدرسةٍ جديدة — فلا مانع منها إطلاقًا، وأفضل كتب الأطفال مبنيّةٌ عليها. الشرط أن تُعالَج على مستوى الطفل: ما الذي يراه ويشعر به هو، لا ما يفهمه الكبار عن الموقف.

وحين تصل إلى النشر، اعلم أنّ كتاب الأطفال له مسارٌ يختلف عن باقي الكتب: كلفة الطباعة الملوّنة، وحصّة الرسّام، ودور المكتبات المدرسيّة. تفصيل ذلك في دليل النشر في العالم العربيّ.

النصّ والصورة يتقاسمان العمل

في الكتاب المصوَّر الصورة ليست زينةً للنصّ، بل نصفه الثاني. وهذا يغيّر طريقة الكتابة كلّها:

لا تصف ما ستُظهره الصورة. إن كان الرسم سيُري قطّةً سوداء على السور، فلا تكتب «كانت هناك قطّةٌ سوداء على السور». اكتب ما لا تستطيع الصورة قوله: ما تفكّر فيه القطّة، أو ما حدث قبل قليل.

فكّر بالصفحة المزدوجة. الكتاب المصوَّر يُقرأ صفحتين معًا، وعدد المشاهد محدود. قسّم حكايتك على هذا العدد قبل أن تكتب، لا بعده.

اكتب ملاحظات الرسم بأقلّ قدرٍ ممكن. اذكر ما لا يُفهَم بدونه فقط. الرسّام شريكٌ لا منفّذ، وأفضل الكتب تولد حين يضيف الرسم شيئًا لم يخطر لك.

إن كنتَ ترسل إلى ناشر، فلا تتعاقد مع رسّامٍ من عندك قبل السؤال. كثيرٌ من الدور تفضّل اختيار الرسّام بنفسها، والمخطوط المصحوب برسومٍ جاهزةٍ قد يُرفض لهذا السبب وحده لا لجودة النصّ.

اكتبه صفحةً صفحة

كتاب الأطفال يُبنى بالمشاهد لا بالفصول الطويلة. في «أطلس الكاتب» تجعل كلّ صفحةٍ مستندًا في شجرةٍ تعيد ترتيبها حين يتغيّر إيقاع الحكاية، وتبحث في النصّ كلّه عن كلمةٍ تشكّ أنّها صعبةٌ على العمر الذي تستهدفه، ويحفظ تاريخ النسخ كلّ صياغةٍ جرّبتها، وتُصدِّر النصّ إلى DOCX حين ترسله إلى دار نشر.

ابدأ الكتابة مجّانًا

أسئلة متكرّرة عن كتب الأطفال

هل أشكّل النصّ كاملًا؟

يعتمد على العمر. كتب ما قبل المدرسة والصفوف الأولى تُشكَّل كاملةً لأنّ الطفل يفكّ الحرف ويحتاج إلى الحركة ليقرأ الكلمة صحيحة. من التاسعة تقريبًا يكفي تشكيل ما يلتبس: كلمةٌ يتغيّر معناها بالشكل، أو اسمٌ غريب. والتشكيل الكامل لقارئٍ متمكّنٍ يُبطئ عينه بلا فائدة.

هل أحتاج إلى رسّامٍ قبل إرسال المخطوط؟

غالبًا لا. أغلب الناشرين يقيّمون النصّ وحده ويختارون الرسّام بأنفسهم، ولهم شبكة رسّامين وميزانيّة. أرسل النصّ مع إشارةٍ إلى عدد الصفحات المقترح وملاحظات رسمٍ مختصرةٍ عند الضرورة فقط. أمّا إن كنتَ تنشر ذاتيًّا فالرسّام قرارك أنت، وهو أكبر بند كلفةٍ في المشروع.

كم كلمةً يجب أن يكون الكتاب المصوَّر؟

أقلّ ممّا تظنّ. كثيرٌ من الكتب المصوَّرة الناجحة يقلّ عن خمسمئة كلمة، وبعضها أقلّ من مئتين. السبب أنّ الصورة تحمل نصف الحكاية، وأنّ الكتاب يُقرأ بصوتٍ مرتفعٍ في جلسةٍ قصيرة. إن تجاوز نصّك ألف كلمةٍ فأنت على الأرجح تكتب قصّةً مصوَّرةً لعمرٍ أكبر، وهذا جيّدٌ إن كان عن قصد.

هل يجب أن تنتهي القصّة بدرسٍ أخلاقيّ؟

القيمة نعم، والموعظة الصريحة لا. الأطفال يلتقطون المعنى من الحدث بسرعةٍ تفوق توقّعنا، والفقرة الأخيرة التي تشرح «وهكذا تعلّم سامي أنّ الصدق…» تُشعرهم بأنّ الحكاية كانت فخًّا. اجعل الاختيار الذي يتّخذه البطل هو الدرس، واحذف الجملة التي تقوله.

كيف أعرف أنّ لغتي مناسبةٌ للعمر؟

اقرأه بصوتٍ مرتفعٍ على طفلٍ في العمر المستهدف، ولا تشرح شيئًا أثناء القراءة. اللحظة التي يسأل فيها عن كلمةٍ أو ينظر بعيدًا هي ملاحظة تحريرٍ مكتوبة. كرّر ذلك مع ثلاثة أطفال، والمواضع التي تتكرّر عندهم جميعًا هي ما يجب تغييره.

هل يمكن أن يكون البطل حيوانًا؟

نعم، وهو تقليدٌ راسخٌ من كليلة ودمنة إلى اليوم. فائدته أنّه يسمح بمسافةٍ آمنةٍ من موضوعٍ حسّاس، ويجعل الشخصيّة قابلةً للتبنّي من أيّ طفلٍ بصرف النظر عن مظهره. وشرطه أن يتصرّف الحيوان بمنطق الطفل لا بمنطق الحيوان: أرنبٌ يخاف من أوّل يومٍ في المدرسة، لا أرنبٌ يبحث عن الجزر.

الوسوم

childrens-books arabic-writing nonfiction